ابن ميثم البحراني
358
شرح نهج البلاغة
السادس عشر : ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم إلى قوله : صدورهم . لمّا كانت الحيرة تردّد العقل في أيّ الأمرين أولى بالطلب والاختيار وكان منشأ ذلك هو معارضات الوهم والخيال للعقل فحيث لا وهم ولا خيال فلا حيرة تخالط معارفهم وتزيل هيبة عظمته من صدورهم ، والهيبة كناية عن استشعار عظمته ، ولفظ الصدور مستعار لذواتهم . السابع عشر : ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم . وقد مرّ تفسير الوسوسة ، وفاعل الطمع هاهنا إمّا مضمر على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه : أي أهل الوساوس وهم الشياطين ، أو يكون الفاعل هو الوساوس وإسناد الطمع إليه مجازا كقوله تعالى « وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقالَها » ( 1 ) ورينها غلبة الشكوك اللازمة عنها على وجوه عقولهم وأبصار ذواتهم الَّتي بها ينظرون إلى وجه ربّهم . وانتفاؤها عنهم لانتفاء أسبابها وهى النفوس الأمّارة . الثامن عشر : منهم من هو في خلق الغمام إلى قوله : الأبهم . هذا التقسيم يعود إلى جنس الملائكة فأمّا الأوصاف السابقة فكانت خاصّة بسكَّان السماوات منهم وقد وردت في الشريعة أنّ في الغمام ملائكة تسبّح اللَّه وتقدّسه وكذلك في الجبال والأماكن المظلمة وهم من الملائكة الأرضيّة ، وقد علمت ما قيل فيها في الخطبة الأولى . التاسع عشر : ومنهم من خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى إلى قوله : المتناهية . يشبه أن يكون هذا القسم من الملائكة السماويّة أيضا واستعار لفظ الأقدام لعلومهم المحيطة بأقطار الأرض السفلى ونهاياتها ، ووجه المشابهة كون العلوم قاطعة للمعلوم وسارية فيه واصلة إلى نهايته كما أنّ الأقدام تقطع الطريق وتصل إلى الغاية منها وشبّهها بالرايات البيض النافذة في مخارق الهواء من وجهين : أحدهما : في البياض فإنّ البياض لمّا استلزم الصفاء عن الكدر والسواد كذلك علومهم صافية من كدورات الباطل وظلمات الشبه . الثاني : في نفوذها في أجزاء المعلوم كما تنفذ الرايات في الهواء ، وأشار بالريح
--> ( 1 ) 99 - 2 .